الشيخ محمد النهاوندي
55
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وأوجب حبّهم وولايتهم - أولى من إرادة غيرهم ، مع أن قوله تعالى : أُخْرِجَتْ وأبرزت من كتم العدم ، نفعا لِلنَّاسِ قرينة ظاهرة على إرادة خصوص جماعة يكون وجودهم نافعا لعامّة الخلق ، ولطفا تامّا من اللّه تعالى بكافّة الأنام إلى يوم القيامة ، وليست إلّا الأئمّة الاثني عشر الّذين نعتقد بأنّهم أوصياء الرّسول ، وحجج اللّه على العباد . وما رواه التّرمذي عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جدّه أنّه سمع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يقول في قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ : « أنتم « 1 » تتمّون سبعين أمّة ، أنتم خيرها وأكرمها على اللّه » « 2 » فمحمول - على تقدير صحّتها - على كون هذه الامّة أكرم من حيث كرامة نبيّها ، وكمال دينها ، وأفضليّة أئمتّها . فلا ينافي كون كثير منهم أشقى الأمم . ومن شواهد كون ( خير أمّة ) خصوص الهداة المهديّين : تعليله تعالى خيريّتهم بقوله : تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فإنّه يخصّ الوصف بالّذين يكون همّهم في تربية الخلق وتكميل نفوسهم . ثمّ بقوله : وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمانا خالصا عن شوب الشّرك الجليّ والخفيّ والأخفى ، ومن المعلوم أنّه كما لا يكون إلّا للأوحدي من هذه الأمّة . قيل : إنّ تأخير الإيمان باللّه في الذّكر على الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مع تقدّمه عليهما في الوجود ، لكون دلالتهما على خيرهم ونفعهم للنّاس أظهر من دلالته عليه ، ولأن يقترن به قوله : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ من اليهود والنّصارى بوحدانيّة اللّه ، ورسالة رسوله ، وبدين الإسلام ، عن صميم القلب ، كإيمانكم لَكانَ ذلك خَيْراً لَهُمْ وأنفع في الدّنيا والآخرة من الكفر والرّئاسات الباطلة والزّخارف الدّنيويّة ؛ حيث إنّ بالإيمان يجمع لهم حظوظ الدّارين . ثمّ لمّا كان لفظ ( أهل الكتاب ) في القضيّة الشّرطية ظاهرا في عمومهم ، نصّ اللّه سبحانه بإيمان بعضهم بقوله : مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد اللّه بن سلام وأضرابه وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ المتمرّدون عن طاعة اللّه ، المصرّون على مخالفته ، الخارجون عن حدود دينه ، في اعتقادهم وعند أهل ملّتهم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 111 ] لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 111 ) ثمّ لمّا كان توصيف الكافرين بالكثرة موهما لقوّتهم وغلبتهم ، بشّر اللّه المؤمنين اطمئنانا لقلوبهم بأنّهم لَنْ يَضُرُّوكُمْ أبدا بوجه من الوجوه ، مع كثرتهم إِلَّا أَذىً قليلا ، وألما يسيرا ، لا عبرة به
--> ( 1 ) . في المصدر : قال : إنكم . ( 2 ) . سنن الترمذي 5 : 226 / 3001 .